اخر الاخبار
اسعار العملات
جنيه مصري - 0.2174
ليرة لبناني 10 - 0.0227
دينار اردني - 4.8316
فرنك سويسري - 3.5116
كرون سويدي - 0.3553
راوند افريقي - 0.2285
كرون نرويجي - 0.3705
كرون دينيماركي - 0.5028
دولار كندي - 2.5747
دولار استرالي - 2.2975
اليورو - 3.7575
ين ياباني 100 - 3.1166
جنيه استرليني - 4.4293
دولار امريكي - 3.426
استفتاء

"الصنارة" تحاور المحامي د. قيس يوسف ناصر بمناسبة نيله لقب الدكتوراة في القانون من جامعة تل ابيب

الصنارة: بداية نبارك لكم حصولكم على شهادة الدكتوراة في موضوع يهم كل انسان عربي في هذه البلاد. ودعنا نبدأ لقاءنا من عنوان الأطروحة في محاولة لتفكيك هذا العنوان الطويل وايصال معانيه لجمهور القراء. ما هو المقصود بخرائط التوحيد والتقسيم؟

د. قيس: بداية، اشكركم على المباركة الصادقة ويشرفني هذا اللقاء معكم. اعتبر شهادة الدكتوراة انجازا لكل المجتمع العربي، فلا تزداد المجتمعات قوة ورفعة سوى بالملكات والطاقات من ابناء المجتمع، وان الفرحة التي غمرني بها الجمهور عند سماع خبر حصولي على الدكتوراة تبعث فيّ مشاعر الفخر والاعتزاز. ان محبة اهلي وشعبي تحملني مسؤولية كبيرة ان اقدم ما استطعت لخدمة الناس ووجودنا في هذه البلاد.

تناولت اطروحة الدكتوراة موضوع خرائط التوحيد والتقسيم او اعادة تقسيم الاراضي من جديد (باللغة العبرية איחוד וחלוקה) وهي عمليا منظومة التخطيط الحالية التي تحركها مؤسسات التخطيط لتوسيع مسطحات البناء في البلدات العربية. تقوم هذه الخرائط بتحويل الاراضي الزراعية الخاصة للبناء كما وتقوم في الوقت نفسه باقتطاع الاراضي العامة من الاراضي الخاصة، وتقسيم ما تبقى من الاراضي لقسائم بناء توزع على اصحاب القسائم الاصلية كلٌ حسب حصته من اراضي المخطط. نتحدث عن منظومة تخطيط حديثة نسبيا في البلدات العربية، ويكشف تحريك هذه المخططات في البلدات العربية عن الكثير من المشاكل والعقبات من جهة التخطيط او الملكية الخاصة او تأمين الاراضي العامة. في اطروحتي عالجت هذه المخططات كحالة تمثل العلاقة المعقدة بين القانون والتخطيط وطريقة الحياة لصاحب الارض الخاصة. لا نستطيع ان ننظر الى هذه المخططات كاجراءات تخطيطية فحسب بل كاجراءات لتغيير اجتماعيّ في البلدات العربية من حيث طريقة الحياة ونمط البناء وتمدين المواطنين العرب. وهذه حقيقة هامة جدا اذا ما اخذنا بالحسبان ان المجتمع العربي يمر بتغييرات جذرية سواء في طريقة الحياة، العمل، مكانة المرأة، وانكشاف الجيل الشاب الى الحياة الغربية.

الصنارة: الجزء الثاني من عنوان الأطروحة يتحدث عن مخطط المدينة العربية من منظار العلاقة بين التخطيط والقانون وطريقة حياة المجتمع العربي، ماذا بحثت في هذا المجال وما هي أهم الخلاصات التي توصلت اليها؟

د. قيس: لمخطط المدينة العربية اهمية كبيرة لجوانب عدة. اولا، المدينة العربية المقترحة هي المدينة الاولى التي تقرر الدولة انشاءها منذ نكبة عام 1948، ففي حين انشأت الدولة مئات البلدات اليهودية، وقسط كبير منها بعد مصادرة اراضي المواطنين العرب، لم تبن الدولة منذ عام 1948 اي بلدة عربية جديدة. وهذا طبعا يندرج في اطار تعامل الدولة مع المواطنين العرب في مجال الارض والمسكن. ثانيا، من يحرك هذا المخطط هو مؤسسات التخطيط المركزية، اي ان الدولة هي التي تخطط للعرب مدينتهم العربية الاولى، على نحو يمس حق المواطنين العرب ان يكونوا اسيادا على اراضيهم ومستقبلهم وهذه قضية واسعة جدا. ثالثا، قررت حكومة اسرائيل عام 2008 السير في مخطط لمدينة عربية جديدة دون اشباع النقاش فيما اذا كان ما يحتاجه تطوير المجتمع العربي هو مدينة عربية جديدة تنافس البلدات القائمة ام ان دواء المجتمع العربي هو تعزيز البلدات القائمة وتوسيع مسطحاتها وتطويرها وليس بناء مدينة جديدة. هذا ايضا تخبط تخطيطي واجتماعي وقانونيّ كبير، لم يفحص بالشكل السليم حتى اليوم وقد تناولته بشكل واسع في اطروحتي. رابعا، تقترح الحكومة اقامة المدينة العربية على اراضي المواطنين في الجديدة والمكر وفي المنطقة المخصصة مستقبلا لتطوير هاتين القريتين، وهذا دون التشاور مع اصحاب الاراضي او حتى المجلس المحلي وهذا الاقتراح يلقى اعتراضا واسعا من المجتمع العربي. خامسا، ما هي صفات المدينة العربية المقترحة ومقوماتها، وكيف لنا ان نخطط لمدينة عربية من حيث طريقة الحياة ونمط البناء وفئة السكان وغيرها من الاسئلة التخطيطية المعقدة؟ في اطروحتي للدكتوراة ادعي ان القواعد القضائية التي تتعامل مع موضوع البلدات الجديدة في اسرائيل ناقصة وغير شفافة وهي غير مهيئة للتعامل مع قضية مركزية كاقامة مدينة جديدة للعرب في اسرائيل.

الصنارة: هل يمكن اعتبار المدن العربية في البلاد مدنا حقا، أي هل تملك مقومات ومكونات المدينة؟ وكيف لنا أن نجعلها مدنا فعلا؟

د. قيس: علينا ان نفرق بين المدنية العمرانية ومدنية وحداثة الانسان. وعليه يؤلمني ان اقول ان تسميّة بعض البلدات العربية مدنا هي مغالطة للواقع لانها ليسا مدننا فعلا لا من حيث عمرانها ولا من حيث طريقة حياة سكانها. للاسف ان البلدات العربية تطورت عشرات السنين بشكل ذاتي وذلك لغياب تخطيط هيكلي مدروس كان على الدولة ان تؤمنه. الدولة لم تؤمن المخططات الهيكلية المطلوبة للبلدات العربية عشرات السنين، ولهذا كبرت البلدات العربية بشكل ذاتي، وقد اقول عشوائي احيانا، لانه لم تكن هناك رقابة وضوابط تضبط البناء والتوسع وكل ما تحتاجه البلدة من شوارع وبنى تحتية ومساحات عامة. لهذا نلحظ اكتظاظا كبيرا في البلدات العربية، ومنها المدن المعروفة، وان الازياد السكاني لم يرافق بتقدم تخطيطيّ. كما ان انعدام التخطيط دفع الناس وبالذات اصحاب الاراضي الخاصة ان يعززوا من المفاهيم التقليدية للتعامل مع اراضيهم مثل اكتنازها للعائلة فقط وعدم تسوقيها للجمهور، عدم تسجيل صفقات البيع فيها، عدم تسجيل القسمة الداخلية التوافقية بين اصحاب الحقوق في الارض وغيرها من الامور التي تحبط امكانيات استغلال الاراضي الخاصة بشكل ناجع ومفيد. وان اعظم ما يجسد سوء هذه الحالة المعقدة في البلدات العربية هو انعدام سوق عقاريّ مزدهر كما في البلدات اليهودية وهو ما يحبط محاولات الاستثمار في البلدات العربية من قبل شركات البناء الكبيرة التي لا تجد مربحا في البناء والتسويق في البلدات العربية، وقد تناولت هذا الموضوع بشكل واسع في اطروحتي.

الصنارة: هناك من يقول بأن المدينة العربية كانت قائمة في فلسطين تم القضاء عليها في النكبة. الى أي مدى يعتبر هذا الكلام صحيح، ولماذا تمتنع إسرائيل عن بناء مدينة عربية حديثة حتى اليوم؟

د. قيس: المجتمع الفلسطيني خسر في نكبة 1948 المدن التي عاش بها كيافا وعكا وحيفا وغيرها من المدن الساحلية التي تعرف اليوم بما يسمى "المدن المختلطة" وقد سببت النكبة انقطاع سيرورة انتقال الانسان الفلسطيني من الحياة التقليدية الى الحداثة والمدنية. حتى اليوم لا يمكننا ان ندعي ان حياة المواطن العربي في اسرائيل هي قروية ولا يمكننا ان ندعي ان حياته هي مدنية او حديثة ايضا. هناك جوانب نجد فيها ان المواطنين العرب يمارسون عادات وتقاليد قروية مثلا طريقة السكن وحتى طريقة انتخاب السلطات المحلية وغيرها، ومن جهة اخرى نجد ان المواطنين العرب يمارسون حياة مدنية غربيّة كترك العمل في الزراعة لصالح التجارة الصناعة وكخروج النساء للعمل وهو امر ضروري حقا وحتى بانتقال عشرات الازواج الشابة الى العيش في المدن اليهودية طلبا لحياة مدنية لا يجدونها في البلدات العربية. لهذه الجوانب كلها، اسقاطات هامة على مفهوم المدينة لدى المواطن العربي وعلى الطريقة التي تطورت بها بلداتنا العربية. وهذا ما يفضي الى السؤال هل نحتاج حقا لمدينة عربية؟ ولأية أهداف؟ وما هو دور هذه المدينة في تغيير المجتمع العربي اجتماعيا وانتقاله من الحياة القروية للحياة المدنية؟

الصنارة: عندما نتحدث عن أراض عربية بملكية عربية، أتساءل هل بقي فعلا ما نتحدث عنه، أي هل بقيت أراض بملكية عربية؟ وكم تبلغ مساحتها وفي أي مناطق تتواجد؟ وماذا يتهدد ما بقي من هذه الأراضي؟

د. قيس: قبل نكبة عام 1948 ملك المواطنون الفلسطينيون نحو 70% من مساحة البلاد، ولكن المواطنون العرب اليوم في اسرائيل يمتلكون اقل من 2.5% من البلاد. طبعا هذا نتاج اجراءات متواصلة من مصادرة الاراضي ومن قوانين غاشمة كقانون املاك الغائبين. عمليا، الاراضي الخاصة في البلدات العربية هي رئة التنفس التخطيطية في البلدات العربية. ولكن حتى اليوم تستمر الدولة في مخططات مختلفة للاجهاز على ما تبقى من الاراضي الخاصة كمخططات الشوارع القطرية، مخططات سكك القطار ومخططات الغاز وغيرها. وهذا امر خطير جدا لان الدولة لا تستغل الاراضي المسجلة على اسم "سلطة اراضي اسرائيل" لصالح المواطنين العرب بالقدر المطلوب ومن جهة اخرى تحرك الدولة مخططات قطرية تستعبد اراضي المواطنين العرب الخاصة وتحرمهم منها، وهذان الامران يزيدان من ضائقة السكن في البلدات العربية ومن الاختناق العمراني الذي تعيشه البلدات العربية. هذه الحال هي التي دفعت الى ظاهرة البناء غير المرخص وهدم البيوت. الدولة تجبر المواطنين على البناء غير المرخص لانعدام البناء المرخص وهي تعاقبهم على ذلك وكأني بها كما قال الشاعر "ألقاه في اليم مكتوفا وقال لم اياك اياك ان تبتل بالماء".

الصنارة: ما الذي دفع المحامي قيس ناصر لأن يهتم ويتخصص بموضوع الأراضي؟ وما هي علاقتك الشخصية بالأرض/ ما هي نظرتك للأرض؟

د. قيس: ان ما دفعني للتعامل مع مجال الارض دون باقي المجالات هو حبي للارض والانسان والمجتمع. اعتبر الارض كنزا معنويا قبل ان يكون موردا ماديا، فالارض هي الهوية وهي الوجود وهي الحاضر وهي المستقبل، وان اجدادنا ممن حافظوا على الارض وزرعوها رغم كل العناء والعذاب لهم علينا حق ان نحافظ على الارض وهو يطالبوننا بذلك وهم تحت التراب. وقد وجدت علي لزاما ان انتصر للمجتمع العربي وان لا اقف مكتوف الايدي تجاه الغبن الذي يعانيه المواطنون العرب كأقلية في البلاد في مجال الارض والمسكن، فلبيت نداء شعبي ومجتمعي ممن يتهددهم خطر الرحيل والمصادرة والهدم. وعلمت اني لن استطيع ان اقوم بواجبي تجاه مجتمعي وان اقارع الباطل والغبن ان لم اكن واسع المعرفة وعميق الاختصاص اقارع الحجة بالحجة واقطع الادعاء بالبينة والدليل، في دولة تستعمل القانون ستارا لسياسات عنصريّة. هذا ما دفعني للتعمق في مجال الارض ودراسة الدكتوراة.

الصنارة: هل واجهتك مصاعب وتقييدات خلال عملك على أطروحة الدكتوراة؟ وهل كان هناك تدخل من قبل الجامعة، أم انه أتيحت لك مساحة من الحرية الأكاديمية؟

د. قيس: من باب الانصاف وهي كلمة حق، ان الجامعة اتاحت لي كامل الحرية الفكرية بل ان استاذي المشرف البروفيسور يشاي بلانك، من كلية الحقوق في جامعة تل ابيب حثني دائما على التعمق والتعامل مع المسائل التي تخص المجتمع العربي بكل شجاعة، ولكن في الوقت ذلك بكل امانة علمية ومهنية وهو المطلوب في بحث اكاديمي كالدكتوراة.

الصنارة: لا يمكن ألا نعرج على العائلة المتميزة، والتي اتسمت بالعلم والأدب والرقي الاجتماعي. ما هو دور الوالدين وماذا كان تأثير العائلة على مسيرتك التعليمية العالية ومسيرة أشقائك؟

د. قيس: لوالديّ عليّ فضل كبير ولولا تربيتهما لما بلغت هذا المبلغ. لقد رباني والدي الاستاذ الاديب يوسف ناصر على خدمة الناس والتضحية لاجل المجتمع، وان يكون لوجودنا في هذه الحياة معنىً وقيمة وذلك بالاعمال والتضحيات الكبيرة لاجل الانسان والمجتمع. كما تعلم وبلا فخر بنى والدي كنيسة فخمة وقاعة في قرية كفرسميع وضاحية للازواج الشابة من ابناء طائفة الروم الأرثوذكس، بعد ان استطاع تحريرها من انياب المصادرة ليحفظ بذلك الارض والانسان، وهو في نظري عمل وطنيّ كبير كان له اثر كبير في نفسي حتى اليوم. كما ان لأمي المربية حنة ناصر قسطا كبيرا في ما وصلت اليه انا واخوتي فقد كانت هي المربية والمعلمة وقد علمتنا التميّز والدقة والجديّة في كل شي، كما كانت بلا فخر من المدرسات المميزات لموضوع التربية الخاصة اكثر من 28 عاما. ولكننا لا نفخر بانفسنا، بل نشير الى عطايا الله فكل عطية هي من عنده، ونعتبر كل نجاح لاسرتنا نجاحا ولكل ابناء قريتنا كفرسميع الحبيبة ولكل ابناء شعبنا والمجتمع كافة.

الصنارة: ما هو توجيهك للشباب العربي في البلاد، وخاصة لطلاب المعاهد العليا؟

د. قيس: ان تألق الشباب العرب في المجالات المختلفة كالطب والعلوم الرقمية والقانون والاداب والاقتصاد والتخطيط والتربية وغيرها، ووصولهم الى الدرجات العليا والمناصب المرموقة في هذه المجالات، يعزز من مكانة المجتمع العربي وقدرته على مواجهة الظروف القاسية التي نعاني منها في البلاد كاقلية قومية. لذلك انصحهم بالمثابرة والجدية وان يكملوا الطريق رغم كل الصعاب متمثلين بالنسور التي لا تنطلق للطيران في الافق الا من قمم الجبال الشاهقة لا من الأودية المنخفضة.


>>> للمزيد من مقالات ومقابلات اضغط هنا

اضافة تعليق
مقالات متعلقة