اخر الاخبار
اسعار العملات
جنيه مصري - 0.2053
ليرة لبناني 10 - 0.0213
دينار اردني - 4.5437
فرنك سويسري - 3.5196
كرون سويدي - 0.3725
راوند افريقي - 0.22
كرون نرويجي - 0.3705
كرون دينيماركي - 0.5109
دولار كندي - 2.5547
دولار استرالي - 2.3494
اليورو - 3.7991
ين ياباني 100 - 2.9325
جنيه استرليني - 4.4302
دولار امريكي - 3.222
استفتاء

نائلة عطية تكتب: في ذكرى رحيل .....أعز الناس

في ذكرى رحيل .....أعز الناس..أنقل مقطعا  من كتابي لمن لم يقرأه...فيه أتيت على ذكره..وزدت
كل مرة أتجرأ اكثر سرد الحقيقة..
تحملوني....عاشت ذكراه.معششة في كل ثنايا الذاكرة والحياة 
========================
ما زلت ابحث عن ابي..
===============
كنت أقود سيارتي باتجاه السجن في عسقلان متوترة،
تخيلتهم طويلي القامة كوالدي البحار الضخم
الريّس إسكندر فأنا لم اسأل زميلي حول شكلهم
او حالهم . والدي كان فارع الطول وضخماً، خياطه
الحيفاوي، طيب الذكر الرفيق لويس القندلفت، كان
يقف على الطبليّة الخشبيّة لأخذ مقاس أكتافه.

لم يُرحل والدي  إلى لبنان، فقد عاش سقوط حيفا التي
احتلت على أيدي عصابات )الهاجناه(. حيث هُجّر
أهلها من باب الميناء بحراً إلى عكا وأبعد، ومنها إلى
لبنان. ومُنعوا من قبل القوات البريطانية من العودة
في نيسان 1948 ، وعصابات الهاجناة كانت تطلق النار عند راس الناقورة 
على المراكب التي تحمل العائدين..وكان منهم جدي واعمامي ..  
ويومها فتحت القوات البريطانية للمُهجرين العرب أبواب الميناء 
من جهة محطة الكرمل وشرق حيفا وجنوب المدينة، 
حيث وجدوا في ساحات الميناء
مخبأ وملجأ ثم دفعوهم للبواخر البريطانية ، وقد
أشرف رجال الأمن البريطانيين بإيعاز من السلطة
الإنجليزية على نقل النازحين الفلسطينيين بحراً
إلى مدينة عكا، أو برا إلى الحدود اللبنانية بالحافلات ،
وأذكر حديث والدتي عنها وعن رفيقاتها مثل سلمى
 عاشور. حين علوا للحافلات وحاولن اقناع
النسوة بالبقاء،وإقناعهن بأن مايجري مؤامرة لترحيلنا 
عن حيفا وفلسطين.

وهكذا بقيت ستي مريم “ ام إسكندر” وحدها مع أبي،
وهي التي لم تحتمل فاجعة احتلال حيفا، حيث
تشتّت أبناؤها، وهدم بيتها لاحقاً في حيّ الكنائس
بوادي الصليب على مقربة من باب الميناء الشمالي.

توفيت ستي حسرةً وحزناً ودُفنت بالمقبرة المهجورة
بمحاذاة باب الميناء القريب من محطة الكرمل، والتي
ما زالت مغلقة حتى يومنا هذا، وهو مقابل مقطع
الميناء العسكري ذاته، الذي رست فيه سفينة
“السانت توريني” والذي تغطيه بناية المطحنة
المبنيّة مباشرة على رصيف الميناء.

كان أبي وحيداً في جنازة تشييع أمه إلى مثواها
الأخير، بعد أن قصفت عصابات )الهاجناه( المشيّعين
الذين كانوا في طريقهم للمقبرة، بقي أبي على
باب المقبرة حيث هو مع التابوت إذ تفرق المشيّعون
وهربوا خوفاً، فسحب والدي التابوت، ودفن أمّه
بدموعه وحيداً، وبعدها تناقل الناس ما كانت تردّده
ستي طوال عمرها من حبها لوالدي:“يا تقبرني” ويا
للمفارقات ها هو وحده يقبرها !

أُغلقت المقبرة بالسلاسل الكبيرة وصدأت، وما زالت
هكذا حتى يومنا، وذلك لمنع أهل حيفا الفلسطينيين
من دفن أبنائهم هناك حيث يعتبر الموقع استراتيجيا
قبالة مدخل الميناء، ولهذا لم أزر قبرها ولو لمرة في
حياتي!

والدي الريسّ العربي الوحيد من حيفا الذي بقي وصمد
أثناء النكبة في ميناء حيفا لصيد الأسماك يحرث البحر 
ذهابا وايابا.
 هكذا حدثني البحارة في ميناء “كيشون” وأغلبهم من
اليهود الشرقيين عن أيام الصيد بشاطئ الرمل الذي
سموه “شيمن” لاحقاً والذين كانوا يصطادون فيه
حتى تم طردهم لميناء “كيشون” للصيد شمالا حتى
اليوم، في أعمق نقطة للخليج في يابسة حيفا، وهو
نهر المقطع فلسطينياً.
شاطىء الرمل هو الشاطىء الذي بعد وقوع النكبة
وتهجّير أهل القرى المحيطة بحيفا وعكا من بيوتهم
وطرد بعض من الأهالي أتوا إليه وسكنوا هناك، كانت
ملجأ لعشرات العائلات، فقد أقاموا بيوتا سكنية من
الزينكو وعاشوا لاجئين في الوطن. وكان باعتقادهم
أن هذا السكن ثابت. ولكن في شهر حزيران من
عام 1967 وبعد الحرب .قامت القوات الإسرائيلية
بالهجوم على سكان البركسات العرب بشاطىء
الرمل، ومنهم والدي فقد تم ترحيلهم وهدم بيوتهم
بدون سابق انذار . وقد حرقوا له اشباك الصيد ..
محراث البحر..ارضه!

      رحل والدي  9 حزيران 1987، ولكن رائحته 
البحرية ما زالت تعبق في أنفاسي كلما تذكرته، وتذكرتُ قصص الصيد
والبحارة، وقصص قتل وتهجير وإخلاء وتفجير لأهل
حيفا الذين زاد عددهم عشية النكبة عن سبعين
ألف فلسطيني، ولم يبق منهم إلا قرابة الثلاثة آلاف.

كان والدي، طاب ذكره، يصحبنا ونحن أطفال
إلى رأس الناقورة في أقصى شمال فلسطين، وينادي
عند الحدود في الجبل والده وإخوته بصوت عال حيث
ما زال صوته يجلجّل في أذني، حين أتذكر صراخه
“يا يابا” و “يا خيّا”!  أو يصطحبنا برحلة الصيد
بفلوكته الصغيرة سابقاً شمالا لأبعد من عكا حتى
يعيده أو يعترضه خفر السواحل، أو يغرمّوه غلة نهاره
أو اكثر! ودائما كان يغني اغاني الفراق والشوق والحرقة
لأهله هناك ويعد نفسه بعودتهم واللقاء ... حتى
مات وحيدا.ً

والحقيقة المؤلمة أكثر أني عشتُ آخر اربعة عشر عاماً
من عمر والدي دون أن التقيه وحُرمت من رؤيته...
بعد انفصاله عن الوالدة  فكثيرا من  بيوت حارتنا في وادي النسناس عانوا من "اجتياح" القادمات الجديدات من شرق اوروبا ..ونحن كنا ايضا ضحية..
كنت استرق اللقاء..
ولاحقا صرت  اخاف اللقاء  وأهرب وأؤجله بالنهاية  بعد عودتي احمل شهادتي  بادر اطيب الناس في حيفا ابي الثان ابو كمال عاشت ذكراه (شفيق طوبي) على جمعنا  ..وقال: لقد تأثر لقراءة التهنئة في صحيفتنا " الاتحاد" وبكل العرب من الاصدقاء، رحل قبل بضعة ايام من موعد اللقاء وهو ينادي عليّ كما قالوا من سمعوه في اخر اللحظات بالمشفى وحيدا بلا احد.."سامحيني يا نئولا"!
 سنوات كانت دموعه  لا  تجف ولا أقوى على مواجهتها ،  يغني باكيا اهله والشوق للقاء..خاصة بعد ان اصابه الشلل  كالجبل الذي انهار من اعتداء بحرية عنصريين عليه بعد عودتهم وقد فقدوا غالبية فرقتهم في عدوانهم عام 1973.

وصلت سجن عسقلان حيث انتظرت بلهفة على
بوابته طويلا تحدَّيت الحجج التي اصطنعها مَنْ هم
على المدخل ليمنعوني من الزيارة،
مرة: من أين لهم اسمك؟!
وتارة: ليس معك وكالة منهم أو من أهلهم.
وتارة أخرى: موجودون في التحقيق وسيحتاج هذا
لوقت طويل!
أو يقولون: إذا كنت مصممة على لقائهم عليك
الانتظار!
كانت أيام تموز جهنمّية الحرارة والرطوبة، وبقيت
منتظرة على باب السجن في عسقلان.
تحمّلت كل هذا لألتقي بهم عساهم يعرفون
أخبار أعمامي في لبنان، وأخبار سيدي الصياد أبو
اسكندّر ، الذي دُفن في مدينة صور جنوبي لبنان،
ولم نعلم بوفاته إلا بعد سنوات، وحتى ولو علمنا
ماذا كان بإمكاننا أن نفعل يومها.
الحقيقةكنت ب شوّق للقائهم أ شد من شوقهم للقائي.
كنت أحنّ لأن أشم تلك الرائحة، رائحة مميزة لم
تفارق والدي حتى ولو استحم فكل أشيائه تعبق
برائحته. رائحة البحر الممزوجة برائحة السمك..
والشرك والسولار.....
وبينما كنتُ أنتظر والحجج تتوالى، ومحاولات إفشال
اللقاء بهم، تذكرت أحداثاً عن والدي نشرت لاحقاً
في كتاب “مذكرات إبراهيم البلشفي” للكاتب
الطبيب خالد إبراهيم تركي رفيق خليتي الحزبية
سابقاً من حيفا، والذي ذكر أن والدي كان أبرز المحاربين
لحماية منارة الصمود “مطبعة الاتحاد”، والتي كانت
أهم معقل وطني وجبت حراسته بعد احتلال حيفا،
وفرض الحكم العسكري عليها. الدكتور خالد وصف
والدي في كتابه بال “زكُرت” وشبّهه بأبطال البحر
الذين كتب عنهم الكاتب العربي السوري والشيوعي
حنا مينه. حيث كتب:
- “فعلا كان “أبو كمال” أي والدي، كأنه مفيد
الوحش في قصة “نهاية رجل شجاع”. فقد كان
يقضي الليالي على عتبة المطبعة ليحميها ضد
أيَّ اعتداء يطال مبنى جريدة “الاتحاد”. فقد وقف
مرة بجنزيره الملفوف برصاص الصيادين حول زنده،
متوعداً العملاء الذين قدموا لحرق المطبعة، وصدَّهم
وصدَّ رجال الشرطة التي جاءت لاعتقالهم، رفع
سيارة الشرطة من الخلف وبقيت السيارة مرفوعة
وهم فيها، وعجلاتها الخلفية تراوح مكانها، وهكذا
حمى الرفاق وحمى المطبعة .”

فيما كنت أنتظر على بوابة السجن شاردةً في
خيالي، إختلطت لدي مشاعر القلق والمرارة كلما
تذكرت هذة الذكريات. علّني أنسى الحر وبطء مرور
الوقت، ومحاولة بوابي السجن زرع اليأس في نفسي
لأشعر بعدم جدوى الانتظار، ولأعود أدراجي دون لقاء
البحارة الأسرى.

فجأة وفي زحام الذكريات والغضب والانفعال الذي
حاولت جاهدة إخفاءه، وإذا بالسّجان البوّاب يناديني
لأدخل. فتشوني بدقة استثنائية ونادوا على سجان
آخر ليرافقني، مع كل خطوة كنت أتلهف أكثر
وأسرع أمامه، فهو لا يعرف النار التي كانت تستعّر
في داخلي. وجدت نفسي أتقدم على السجان
بخطوات وهو يحاول إبطاء سيري. وصلت لغرفة
اللقاء الصغيرة والتي هي زنزانة من جدار سميك
ومقعدين لا ثالث لهما، تتوسطهما طاولة صغيرة..
كل شيء قديم حزين كأنك في مكان مهجور.
دخلت زنزانة اللقاء .. 
أحضر السجانون البحارة
الأسرى اللبنانيين تحت حراسة مشددة واحداً تلو
الآخر. نعم هأنذا أخيراً أمامهم وجهاً لوجه. وإذ بهم
أناس طيبون بسطاء، قصار القامة كالرفيق لويس
القندلفت خياط   وادي النسناس النصراوي ولم أجد
أبي.
عاشت ذكرى الجميع ..طيبة خالدة
تصويري

 

>>> للمزيد من مقالات ومقابلات اضغط هنا

اضافة تعليق
مقالات متعلقة