المخرج نديم حامد للصنارة: الريتالين يخبيء فشل المنهاج التعليمي ويعفّي المعلمين والمسؤولين من وظيفتهم

0 9٬339

*الريتالين وبدائله يشوّش نمو الأطفال ويسبب مشاكل في المفاصل والقلب وأعراض جانبية بعيدة المدى ويمكن استبداله باستخدام أساليب تربوية توعوية وموازنة نفسية الطفل*


محمد عوّاد

في خمسينيات القرن الماضي طوّر الباحثون مادة لعلاج اضطراب فرط الحركة وقلّة التركيز (ADHD) بهدف تحسين المزاج وتنشيط الحيوية. هذه المادة ما زالت تُستخدم لغاية اليوم واسمها ريتالين ولها دواء بديل اسمه كونسيرتا, وكلاهما يستخدمان لمعالجة طلاب المدارس الذين يتم تشخيصهم على أنهم يعانون من كثرة (فرط) الحركة وقلة التركيز ADHD)) لمساعدتهم على زيادة التركيز والانتباه مع التحكّم بالنشاط المفرط. ويعمل الريتالين (علمياً) على تحفيز الجهاز العصبي من خلال رفع تركيز هورمون الدوبامين وهورمون النورأدرينالين في الدماغ, وقد يبدو هذا الأمر غريباً فمن ناحية يحفّز الجهاز العصبي ومناحية أخرى يخفّض فرط الحركة, ولكن الأبحاث أثبتت أن الريتالين يُحفّز التركيز والانتباه في الدماغ.

ويُصنّف الريتالين كمادة مخدرة, وهناك صيادلة وأطباء يحذرون من إمكانية أن يؤدي الى الإدمان ومن الأعراض الجانبية بعيدة المدى, وهناك من يحذّر من استخدامه ويرى أن هناك طرق علاج سلوكية وتوعوية لا تنطوي على مخاطر. أحد المعارضين هو المخرج نديم حامد من الناصرة الذي تم تشخيصه على أنّه ممّن لديهم فرط الحركة وقلة التركيز, وقد بدأ بمحاربة استخدام الريتالين أو الكونسيرتا بأساليب إبداعية. حول ذلك أجرينا معه هذه المقابلة.

الصنارة: كيف ومتى تم تشخيص حالة (ADHD) لديك؟

حامد: درست الحاسوب في انچلترا وخلال دراستي عملت مع أخصائي نفسي كان يجري بحثاً نفسياً وخلال عملي تم تشخيصي بأنني أعاني من عسر تعلمي, بعد ذلك درست طب الأسنان لمدة سنتين وكانت هناك تساؤلات كيف أنهيت الثانوية وكيف قُبلت للجامعة وتوصلوا الى نتيجة أن ذلك حصل بحكم درجة ذكاء عالية (I.Q) رغم فرط الحركة وقلة التركيز. وخلال تعلّمي موضوع الطب بدأت أفهم ما هو الريتالين وتركيبه ومخاطره. 

الصنارة: اليوم هناك الكثير من الأولاد الذين يعانون من فرط الحركة وقلة التركيز يُعالجون بالريتالين والنتائج مُرضية حسب الأبحاث والتقارير!

حامد: الريتالين لا يعالج المشكلة بل يتم طيّها بشكل مؤقت. الريتالين يسمّم ويخدّر الحالة الى حين يتعامل معها شخص آخر, علماً أنّه يتم إعطاؤه لسنوات طويلة وهذا أمر خطير للغاية.

الصنارة: هل تمت معالجتك بالريتالين؟

حامد: كلا. فقد نجوت من هذه السموم بحكم الصعوبة التي واجهتها باللغة العربية في طفولتي. فقد وُلدت في ألمانيا ومشكلة اللغة خبّأت مشكلة (ADHD), وقد ظنّوا أن موضوع اللغة هو أساس المشكلة.

الصنارة: ولكن هناك خبراء يؤكدون أن الريتالين يساعد على التركيز وبدونه يكون الطلاب مشتّتين بينما أنت تشن حرباً على الريتالين!

حامد: الحرب ليست على الريتالين بل على المشكلة التي أراها بالمنهاج التعليمي في المدارس. فالمنهاج التعليمي المتفق عليه مع المفتشين وكبار المسؤولين  لا يخدم مصلحة الولد. اليوم ينهي الولد المدرسة ويخرج لا يفهم نفسه ولا الجنس الآخر ولا الآخر. يخرج مع علامة (تقييم) فقط. هذا المنهاج يخلق توقعات غير إنسانية ولا تخدم مصلحة الطالب عند الأهالي والمعلمين. والطالب الذي لا يتأقلم مع هذا المنهاج يتم إعطاؤه هذه السموم كي يركّز غصباً عنه.وعدم  تركيز الولد بشيء ليس لمصلحته هي مشكلة المنهاج التعليمي وليس مشكلة الولد. فهناك الكثير من الأماكن في العالم تتغيّر المناهج مثل فنلندا. أما هنا فقد أصبحت الأولويات لدى الأهالي أن يعود ابنهم مع علامات عالية, ولا تهمهم نفسيته بقدر ما تهمهم علاماته. الأهداف لدى الأهالي أصبحت سطحية..

الصنارة: ولكن المنهاج قد يلائم أكثر من 90% من الطلاب؟

حامد: الوضع اليوم مأساوي. فالطلاب يخرجون بعد إنهاء المدارس مع نفسية سيئة جداً. وهناك نسبة عالية من حالات الانتحار ومحاولات الانتحار في مجتمعنا ولكن تم إخفاؤها ويقولون إن السبب نوبة قلبية أو مخدّرات.

الصنارة: تقول إن البديل لاستخدام الريتالين هو برنامج توعية. ما هو هذا البرنامج وما هي الآلية لذلك؟

حامد: يجب أن نراجع الأهداف. فالأهداف الأساسية يجب أن تكون موازنة نفسية الولد. وعندما يحصل التوازن يحصل التركيز وتظهر الميول وترتب أمور الطالب. أما الآلية فهي من خلال برامج توعوية ومحاضرات ولقاءات في المدارس. وقد شاركت في لقاءات كهذه في عدد كبير من المدارس, وذلك حصل بعد أن تحدّث أحد الأولاد مع والدته عنّي, وعملت على مدار شهر واحد مع صف معيّن كان بعض طلابه يتعالجون بالريتالين, وبعد شهر لم تعد هناك حاجة لاستخدام الريتالين.

الصنارة: هل يمكن استبدال العلاج بالريتالين ببرامج كهذه؟

حامد: أقول إنه لا حاجة للتخدير بالريتالين. فإنني لا أعتبر إعطاء الريتالين للطلاب علاجاً. إنه سموم من الدرجة الأولى فله نفس تركيبة الكوكائين..

الصنارة: دراسات كثيرة تؤكد أنه لا يؤدي الى الإدمان!

حامد: المشكلة ليست الإدمان, بل المشكلة نفسية, فاستخدامه يؤدي الى إتلاف خلايا المخ الإدراكية. وقد أحدثت جامعة هارڤارد الأمريكية الشهيرة قبل سنتين ضجة كبيرة حول هذا الموضوع بعد أن تأكدوا هناك أن الريتالين يؤدي الى الذُّهان (פסיכוזה), حيث يتوقف عن التفريق بين الواقع والحاضر. ومعروف أن 40% من هؤلاء الأشخاص الذين يتعرضون لهذه الحالة لا يتخلّصون منها, وبالتالي تؤدي الى انفصام للشخصية والانتحار. صحيح أنه يساعد على التركيز ولكن الثمن غال. كل الأولاد الذين رافقتهم قبل 10 سنوات والذين نصحتهم بعدم تلقي الريتالين ولكنهم لم يفعلوا, أُصيبوا بالذُّهان في نهاية المطاف. وحتى من رجع من هذه الحالة لم يرجع الى حالته الأولى. 

الصنارة: هل تعتقد أنّ بالإمكان توجيه الناس من خلال برامج ولقاءات في المدارس, الأمر يتطلب سنوات..!

حامد: لحسن الحظ أنا مُخرج وفي عام 2018 أنتجت فيلم ڤيديو مدته دقيقة ونصف ونشرته على اليوتيوب ومنذ ذلك الحين أتلقى اتصالات وأسئلة واستفسارات, لقد استخدمت الإخراج للتوصل الى حل لهذه المشكلة. 

الصنارة: تقول إن المشكلة الأساسية ليست الإدمان, ما هو تخوّفك إذن؟

حامد: استخدام الريتالين يؤدي الى تشويش عملية النمو لدى الأولاد ويسبب مشاكل في المفاصل والقلب. ولغاية الآن لا توجد جامعة تقول إنه لا توجد أعراض جانبية للريتالين على المدى البعيد, فالولد الذي يُعطى ريتالين على مدار 3 سنوات قد تظهر الأعراض لديه بعد عشر سنوات أو أكثر. على المدارس أن تبدأ العمل على نفسية الطلاب. أهم مشروع في حياتي هو “لعبة التدريج” وأنتجته كفيلم مدته 14 دقيقة, وهي لعبة “مين أحسن من مين” والتي تؤدي الى العنف, هناك أناس ليس لديهم علامة سؤال حول قيمتهم, والكل يدوس على قيمتهم, وهذا ما يخلق العنف المجتمعي والعنف ضد المرأة والتنمّر..

 

الصنارة: هل لديك معطيات وأرقام تدعم ما تقوله؟

حامد: لا أحد يريد فتح الموضوع. في العام الماضي حاضرت أمام أكثر من 5000 طالب وأصبحت مطلوباً لإلقاء المحاضرات أمام المعلمين, ومن كثرة الضائقة لدى المعلمين لم يعد أحد يسأل عن حقائق وأرقام إنهم يريدون من يأتي لهم بنتائج..

 

الصنارة: حسب تقارير مدرسية, الطلاب الذين لم يشخّصوا على أنهم مع (ADHD) عانوا طيلة فترة التعليم وكانوا فاشلين بينما من تمّ  تشخيصهم وعولجوا بالريتالين حققوا إنجازات؟

حامد: لقد أقنعوهم بأنهم فاشلون فالنجاح بالنسبة للمسؤولين هو فقط بالمواضيع العلمية. المشكلة أننا أدخلنا لمفاهيمنا أموراً خاطئة. هناك مواضيع كثيرة يمكن تعلمها ولكننا لا نتبنّاها, بينما في أوروبا تبنوها وطوّروها. بينما في هذه البلاد وفي الولايات المتحدة محكومون لشركات. وقد عرضت علي عدة شركات أن أمحو الڤيديو الذي صورته لأنه يضر بمصالحها.

إننا مجتمع مستهلك يتم استغلالنا والضحية هو الولد الذي يتم إعطاؤه الريتالين والولد الذي لم يحصل على نتائج حسب توقعات أهله ومعلميه أقنعوه بأنه فاشل. بينما هناك دول مثل ألمانيا تعتبر مصلحة المستهلك هي مصلحتها. 

الصنارة: كيف يمكن إقناع ذوي الشأن بالكف عن إعطاء الريتالين؟ 

حامد:  الأمر الهام هو التغذية فبرنامجي يشمل ثلاث درجات: جسد, عقل ومشاعر. الجسد يحتاج الى برنامج تغذية صحيوالإمتناع عن منتجات الحليب المصنّع. في الصين عرفوا هذا الأمر منذ فترة طويلة ومنعوا الحليب المصنّع عن الأولاد. الحليب من القرى وغير المصنع مسموح بينما الحليب المصنع فهو غير صحي ويساعد على فرط الحركة.

بعد الجسد هناك لياقة بدنية, وهنا يلعب البيت والأهل الدور الرئيسي. وبعد ذلك يأتي العقل وهو النقطة الأساسية. الأولاد لديها قلة صبر ويريدون كل شيء بسرعة, والشاشات هي مشكلة بحد ذاتها, فيجب الاّ يعبث الأولاد بألعاب الموبايل أو أي شاشة لأكثر من ساعة ونصف في الأسبوع, وهناك بعض الألعاب مثل الفورتنايت والبابجي والإيپيكس تُحدث قلة توازن بعدد من الڤيتامينات, وهذا أصعب إدمان, حتى أنه أصعب من الريتالين ومخدرات أخرى.

 

الصنارة: من أجل تذويت هذه الأمور يجب تأهيل المعلمين والأهالي،أليس كذلك؟

حامد: الآن أنا وشخصيات من المجال السياسي والاجتماعي والطبّي والنفسي والإداري بصدد إقامة جمعية للتوعية الاجتماعية ولاستكمالات المعلمين ولتحصيل حقوق الطفل في المدرسة بما أن المستشارين التربويين لا يحاربون للحقوق الإنسانية للطفل. ففي الكثير من الأماكن يعملون لمصلحة المدرسة ولمصلحة إيچو المدرسة. كذلك لا يوجد عدد كافٍ من مفتشي المستشارين. وهناك عضوة كنيست سابقة ستكون معنا لتكون ضمن مجموعة ضغط كي نغير بالمنهاج وبالأساسات من أجل جعل المدارس تتعامل جيداً مع ADHD. وأريد أن أشدد على نقطة مهمة وهي أن معالجة الولد ليست فقط بالعقل لأن العقل يحاول دائماً أن يسيطر. فيجب أن نعطيه فرصة التأمّل والتركيز على النَفَس. هذه الفاعلية مفيدة جداً, فالعقل نصفه ذاكرة ونصفه خيال وبعد التأمل يعود الشخص ويأخذ السيطرة من العقل وأقول ذلك من خلال تجربتي الشخصية. وقد توجّه اليّ أهل ولد عمره 8 سنوات مستنجدين أن أنقذ طفلهم الذي يتقيأ كل مرّة يتلقى قرص الريتالين, ومع ذلك يعطونه قرصاً آخر. هناك أجسام لا تتحمّل هذه السموم. وهناك طفل آخر سبّب له الريتالين مشاكل أعصاب برأسه بعد أن تلقى كونسيرتا, وعندما سألت الأهل ماذا فعلوا قالوا: الطبيب استبدل الكونسيرتا بالريتالين. هذا يؤكد أنه لا رقابة على الأطباء ولا على المدارس التي ترغم الطلاب بشكل غير قانوني على تلقي الريتالين. 

 

الصنارة: هل استخدام الريتالين اختياري وغير مُلزم لمن تم تشخيصهم؟

حامد: الأمر اختياري وليس إجبارياً. ولكن هناك مدارس بعضها أهلية تبلغ الأهالي أنه بدون أن يأخذ الولد الحبة (الريتالين) لن يدخل المدرسة وهذا سيء.

ولكي ينجح الموضوع الذي نحن بصدده يجب الاهتمام بالتغذية وتخفيض الدهنيات والسكريات والاهتمام بالتربية السليمة. للأسف ما يحصل اليوم هو أن الأهل لا يحسنون تربية أولادهم وحبة الريتالين جاءت بديلاً للتربية. التوعية هي المرحلة الأولى لحل المشكلة. 

 

الصنارة: ذكرت الولايات المتحدة وأوروبا ونحن, ماذا يحصل في الصين واليابان؟

حامد: الريتالين في الصين واليابان ممنوع بتاتاً ويُعتبر من المخدرات الخطيرة. في تايلاند سنّوا قانوناً خاصاً بسبب الإسرائيليين الذين يزورونها مع أولاد ومع الريتالين. هذا القانون يسمح بدخول البلاد فقط مع 30 حبة ريتالين. هناك يعملون على التغذية والسلوكيات أما هنا فأول شيء يبدأون معه هو الريتالين.

الصنارة: كيف ستعمل الجمعية التي ستقيمونها؟

حامد: بالاستكمالات للمعلمين والإرشاد للأهالي وإقامة مراكز للشباب الذين يجب عدم اعتبارهم مرضى وبناء برامج تنويرية تشير الى أن المشاكل تحصل نتيجة عدم وجود توازن في نفسية الشخص بسبب ADHD أو التربية فيتجه البعض الى المخدرات أو الدخول الى قصص جنسية بسبب عدم وجود استقلالية بالمشاعر, وهذا يقود الى تجارب سيئة.

الصنارة: ما هي نسبة الطلاب الذين يتم إعطاؤهم ريتالين؟

حامد: حوالي 25% وهذه نسبة عالية جداً وهناك مدارس زادت النسبة عن 30%, بينما مدارس في قرى معينة لا تصل النسبة الى 5%. إننا لا ننوي معالجة الأولاد بل نساعدهم على الوصول الى منبع المعالجة الأساسية. فالولد لديه منبع صلة ومنبع فرح ومنبع سعادة وسنعمل على منحه الاختيار ليصل ويتواصل وأن يكون أو لا يكون.

الصنارة: كيف ستتعاملون مع الأهل الذين يصرّون على إعطاء أولادهم الريتالين لأنه أسهل لهم؟

حامد: عندما يعطى الريتالين للولد يكون الأمر أشبه بإحداث وشّة في دماغه. وعندما نعمل على التنوير والتوعية والمشاعر فإننا نصلح هذه الوشة ولكن الريتالين يعمل العكس, ويجعل الولد مثل الماكنة. إنه بمثابة التعدّي جسدياً ونفسياً على الولد ومنعه من أن يكون هو.

الصنارة: قد يتساءل الأهل ما هو الغذاء الأمثل لمعالجة (ADHD)؟

حامد: يجب التخفيف من السكّر ومنتجات الحليب خاصة المصنعة, كذلك تخفيف اللحوم والمقالي. والأمر الأساسي هو أن يتمتع المربون في البيت والمدرسة بهدوء أعصاب وأن يتواصلوا مع أولادهم. اليوم يتوجه إليّ أولاد كثيرون متعطّشون وجوعانين للحنيّة والتقبّل والمحبة لأن الأهل مشغولون عنه. ويسألون عن الانتحار والوحدة وأمور أخرى.

 

 

 

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected] - [email protected]

قد يعجبك ايضا