اخر الاخبار
تابعونا
اسعار العملات
جنيه مصري - 0.2053
ليرة لبناني 10 - 0.0213
دينار اردني - 4.5437
فرنك سويسري - 3.5196
كرون سويدي - 0.3725
راوند افريقي - 0.22
كرون نرويجي - 0.3705
كرون دينيماركي - 0.5109
دولار كندي - 2.5547
دولار استرالي - 2.3494
اليورو - 3.7991
ين ياباني 100 - 2.9325
جنيه استرليني - 4.4302
دولار امريكي - 3.222
استفتاء

الأب رائد أبو ساحلية: 20 مليون شجرة زيتون في فلسطين شاهد على الزمان والمكان والانسان

الأب رائد أبو ساحلية، راعي كنيسة القديس يوسف للاتين في الرينة، من مواليد قرية الزبابدة بالقرب من جنين، سبق واستلم عدة مهام في البطريركية اللاتينية وخاصة في مجال الاعلام ووضع عدة كتب، منذ ان قدم الى الرينة أبدى اهتماما خاصا بالزيتون المعمر، فحمل كاميرته وأخذ يصور أشجار الزيتون أينما وجد، وتطور الأمر إلى مشروع توثيقي متكامل يهدف إلى اقامة مركز فلسطيني – دولي للزيت والزيتون في بلدة بير زيت، عن هذا المشروع الكبير والزيتون المعمر في بلادنا، كان لنا هذا اللقاء المميز والمثير مع الأب رائد أبو ساحلية.

الصنارة: بداية من أين جاءتك فكرة تصوير الزيتون، وما هي الدوافع لهذا المشروع غير المسبوق؟

الأب رائد: أولا أنا فلاح ابن فلاح، أصلي من بلدة الزبابدة قرب جنين، وأبي كل عمره يعمل في الزيتون، وربما تستغرب اذا قلت لك أنه كان يتحدث إلى الزيتون، وكان أهل البلدة يضربون المثل بزيتونات عوض الذيب (والدي) من حيث نظافتها وترتيبها. وكلما كنت أرافق والدي إلى زيتوننا أراه ينظر الى الشجر بلهفة ويقول لي انظر الزيتون كيف يضحك! فكرة أن الزيتون يضحك ويتكلم ويرى فيه الفلاح كأنه انسان حي يتنفس، أوصلتني إلى فكرة تصوير الزيتون.

السبب الثاني أنني تزحلقت بالزيت والزيتون وأنا في بلدة الطيبة، قضاء رام الله، حيث خدمت رعيتها. أذكر أنه في عام 2002 حصل انتاج كبير في الزيت والزيتون ولم يكن تسويق له، وهو كان مصدر الرزق للناس، وكان من عادة الأهالي دفع مقابل أقساط المدرسة عن أبنائهم صفائح زيت، كل طالب 6 صفائح في السنة، وهكذا بعد موسم الزيتون وفي موسم أعياد الميلاد، تكدس لدي أكثر من 800 صفيحة زيت، فتساءلت ماذا سأفعل بها، وكيف أتصرف؟ هنا طرأت ببالي فكرة تسويق الزيت لأوروبا، اتصلت مع أصدقاء ونجحت بفتح سوق لتسويق الزيت في فرنسا، بواسطة "التجارة العادلة" التي تقوم على بيع منتوجات الفلاحين ضمن خمس قواعد: الأول، أن تقدم سعرا معقولا للفلاح مقابل تعبه، الثاني أن تقدم أجرة مقبولة، الثالث الاستمرارية في الشراء، الرابع تطوير المجال الذي يعمل فيه والخامس تخصيص جزء من المدخول لعمل الخير، تبنيت الفكرة لأنه إما أن تتزحلق وتكسر رأسك أو تبقى في الداخل وأنا قررت البقاء.

الصنارة: هل واجهتكم عقبات في تسويق الزيت الفلسطيني في أوروبا، وكيف تغلبتم عليها؟

الأب رائد: من المعروف أن الزيت لدينا يحتوي نسبة حموضة عالية، بينما في أوروبا يفضلون طعما آخر، لذل لجأنا الى اجراء فحوصات وتغيير بعض العادات في القطف والتسويق. ومن تحسين جودة الزيت اضطررت لشراء معصرة زيت حديثة من ايطاليا عام 2003، وكانت المشكلة الثانية التي واجهتنا في تسويق الزيت، أنه يتوجب علينا دفع ضريبة في أوروبا بقيمة 15 يورو مقابل كل لتر زيت، تفاوضنا مع المفوض الأوروبي وحصلنا على اعفاء ضريبي للزيت الفلسطيني عن 2500 طن لعام 2005، وفي العام التالي 2006 حصلنا على اعفتء مقابل 3 آلاف طن والانجاز خفف عنا أعباء التسويق.

 وهنا واجهتنا مسألة أخرى، ماذا نفعل بالزيت القديم ذي الحموضة العالية، فوجدنا الحل بالتصنيع، أي ادخال الزيت القديم في الصناعات المعهودة مثل الصابون وما شابه، ووجدنا أن ذلك لا يكفي، ففكرنا بأمر جديد، وهو صناعة قنديل سلام على شكل حمامة في جوفه وعاء زجاجي يملأ بالزيت القديم، بحيث تتم اضاءة القناديل بزيت الأرض المقدسة، وتحويل المنتج الى رسالة سلام، وهذا أوجد بالتالي فرص عمل لعدد من الشباب والشابات في القرية، وتمكنا من صنع 100 ألف قنديل، تم تسويقهم الى أماكن مختلفة في العالم، وهذا الأمر تطور الى مشاغل لخشب الزيتون والشمع والسراميك. 

الصنارة: ماذا كان مصير المشروع الذي بدأت به، خاصة بعدما أنهيت خدمتك في الطيبة؟ 

الأب رائد: لقد قطع المشروع خطوات هامة، ولم يعد بالامكان التخلي عنه، لذا أسسنا شركة غير ربحية تحت اسم "Olive Branch – غصن الزيتون"، قدمنا جزءا من أملاكنا للبطريركية اللاتينية في القدس، وفي القسم الآخر من مدخولنا الذاتي، اشترينا أرضا في بلدة الطيبة وبنينا عليها "بيت أفرام للمسنين" ونصرف عليه من مدخول الصناعات التي أقمناها، وخصصنا الطابق الأعلى لإقامة البطريرك ميشيل صباح، بعد تقاعده الرسمي. وتهدف الشركة التي نقلنا مركزها الى بلدة بير زيت، الى تصدير منتجات الأرض المقدسة، لقد طورنا عدة منتجات ولدينا اليوم سوق في عدة دول أوروبية. 

الهدف الاستراتيجي الثاني لمؤسسة "غصن الزيتون"، اقامة "المركز الدولي للزيت والزيتون الفلسطيني في بير زيت" خلال عامين، وهذا هدفه ليس تطوير فقط العصر والانتاج والتسويق، انما اعداد مركز لتوثيق كل الزيتون المعمر والمعاصر في فلسطين، وسيكون المبنى على شكل قلعة أثرية، ويتكون المركز من خمسة أقسام، من منطلق رؤية واضحة لعملنا. سيشمل المركز معصرة قديمة ومعصرة حديثة، الأولى للحفاظ على التراث والثانية للعمل ودر مدخول للمؤسسة، الثاني مركز لتسويق منتجات الأرض المقدسة، الثالث مركز توثيق، فعندما يحضر الفلاح لعصر زيتونه يشاهد على شاشة كبير أفلاما وصورا للزيتون المعمر في مناطق فلسطين التاريخية ويتعرف عليها وعلى البلاد، اضافة الى مكتبة لكتب حول الأرض والزراعة والتراث، لذا أقوم أيضا خلال جولاتي بالتعرف إلى الكتاب والأدباء، وتكونت لدي صداقات عديدة، وأشتري أو أجمع كتبهم لضمها للمكتبة، ورابعا سلسلة مطاعم تقوم مأكولاتها على منتوجات الزيت والزيتون، وخامسا اقامة معرض للمواسم الزراعية، يعرض فيها الفلاحون منتوجاتهم لتشجيعهم على التمسك بأرضهم وأملاكهم.

الصنارة: بعد انتقالك إلى الرينة، كيف بدأت مشروع تصوير زيتون الجليل، وما الذي أوحى لك به؟

الأب رائد: انتقلت إلى الرينة عام 2017، ولم أكن أعرف الجليل بشكل جيد. في البداية كنت أقوم مع أحد أبناء رعيتي ويدعى بشارة راشد، الذي يعاني من اعاقة جسدية بممارسة رياضة المشي والركض في الطبيعة القريبة، وهذا قادني إلى أن أزور كثيرا من المناطق. ومع بداية جائحة كورونا، والحد من الحركة وتعطيل الأعمال، جاءتني فكرة توثيق وتصوير الأشجار المعمرة في فلسطين، واكتشفت أن معظم الزيتون المعمر موجود في القرى المهجرة أهلها، وانطلقت من مبدأ: طردوا البشر، هدموا الحجر، بقي  الشجر. ومن المعروف أن الأشجار التي تعثر عليها في القرى المهجرة: الصبر، التين، اللوز، الخروب أما غالبية الأشجار هي الزيتون. كل الأشجار تموت وتحيا، وفقط الزيتون معمر.

وكان المبدأ الثاني لمشروعي أن الزيتون شاهد على الزمان والمكان والانسان. انطلاقا من هذين المبدأين، اهتممت أيضا بأن أروي قصة الناس الذين زرعوا الزيتون وليس تصويره فقط، وتوثيق كل ما بقي حول الزيتون من تفاصيل التفاصيل سواء حجارة، آبار، مغر، مقابر وأشجار أخرى. وكنت قبل زيارة أي قرية أو موقع وعلى مدار أسبوع، أقرأ الكثير وأشاهد فيديوهات وأراجع شهادات عن الموقع، وبالأساس أعتمد على كتاب د. وليد الخالدي "كي لا ننسى"، رغم عدم اكتمال المعلومات فيه، لكن أتخذه مصدرا أساسيا وأضيف اليه من اجتهاداتي، كذلك أستعين بصديقي الباحث الدكتور شكري عراف في المادة التاريخية للمواقع. وبعد عودتي من الجولات أقوم بثلاثة أمور أساسية وهي اعداد فيديو قصير عن الموقع، اختيار مجموعة صور، تقديم معلومات عامة، وهذا مجهود كبير يحتاج إلى أيام اضافية خلال الأسبوع.

الصنارة: لا شك أنك بدأت بمشروعك من نقطة ما، وانتهيت في نقطة أخرى، ما هي أهم أهداف مشروعك اليوم؟

الأب رائد: الهدف الاستراتيجي للمشروع هو كشف كنوز كل القرى المهجرة، وأخصص عادة يوما كاملا للجولة الميدانية. حاليا لا أستطيع التجول في مناطق الضفة نظرا للبعد، لذا أركز على منطقة الجليل، وأنا أعتبر فلسطين وحدة جغرافية كاملة كمبدأ واضح بالنسبة لي. لقد زرت حتى اليوم 97 قرية مهجرة و25 بلدة قائمة خلال عامين، ساعدني على ذلك عطلة المدرسة خلال فترة الكورونا، فكنت أخرج مرتين في الأسبوع. ووجدت أن فلسطين تملك 20 مليون شجرة زيتون، 12 مليونا في مناطق الضفة وغزة و8 مليون داخل أراضي الـ48.

مع الوقت دخل هدف جديد للمشروع وهو الهدف الوطني، أن لا ننسى، وانطلقت بهذا من مبدأ لفيلسوف يوناني قال بعد هزيمة روما: "نحن هزمناهم ليس عندما ربحنا المعركة، انما هزمناهم عندما أنسيناهم تاريخهم وحضارتهم"، ويقال أن اليونان هي التي انتصرت لأن حضارتها هي التي بقيت وكانوا في روما يتكلمون اللغة اليونانية.

لقد اكتشفت في القرى المهجرة أن السلطات عملت على الغاء الذاكرة لأهل البلد الأصليين، فوجدت أن قرى بكاملها مسحت عن الأرض أو قرى تم تغطيتها بالغابات مثل الغابسية وبالكاد تجد أثرا لها، وبعضها غيروا معالمها وحولوها الى موشاف أو كيبوتس، مثلا الكويكات تحولت الى موشاف "بيت هعيمك"، أضف الى ذلك كثيرا ما تواجهني مشكلة الاعتراض على وجودي من قبل السكان، فأحاول بطرق مختلفة اقناعهم والتحايل عليهم.

 

 


>>> للمزيد من مقالات ومقابلات اضغط هنا

اضافة تعليق
مقالات متعلقة