اخر الاخبار
تابعونا
اسعار العملات
جنيه مصري - 0.2174
ليرة لبناني 10 - 0.0227
دينار اردني - 4.8316
فرنك سويسري - 3.5116
كرون سويدي - 0.3553
راوند افريقي - 0.2285
كرون نرويجي - 0.3705
كرون دينيماركي - 0.5028
دولار كندي - 2.5747
دولار استرالي - 2.2975
اليورو - 3.7575
ين ياباني 100 - 3.1166
جنيه استرليني - 4.4293
دولار امريكي - 3.426
استفتاء

فكرة الحكم الذاتي مرة أخرى: ضبط المفاهيم



لقد طُرحت فكرة الحكم الذاتي ( Autonomy) للفلسطينيين داخل دولة إسرائيل قبل أكثر من ربع قرن من الزمن، وذلك كحل وسط ديمقراطي منصف، او كوسط ذهبي، بين نزعتين متعارضتين غير قابلة كل منهما للإرتواء بالشكل الكامل : النزعة الإندماجية من طرف، والنزعة الإستقلالية من الطرف الآخر. فإذا كانت النزعة الإندماجية تؤكد على المواطن الفرد المتساوي في الحقوق (المدنية والسياسية)، فإن النزعة الاستقلالية تؤكد، في المقابل، على الهوية الجماعية وما يقترن بها من حقوق جماعية، من بينها الحكم الذاتي أو الاستقلال الذاتي الداخلي (Internal Self-Government ).



ويخطئ، في إعتقادي، من يظن أو يفترض بأن فكرة الحكم الذاتي للفلسطينيين داخل إسرائيل قد عفا عليها أو تجاوزها الزمن. على العكس تماماً، تكتسب الفكرة أهمية خاصة هذه الأيام بالذات، في وقت وظرف يتم فيهما التأكيد المفرط من قبل ممثلي الأغلبية الحاكمة على الطابع اليهودي للدولة، وعلى ما يقترن بذلك أو ينساب عن ذلك من قوانين وسياسات وممارسات جائرة وإقصائية. وفي المقابل، وإن لم يكن بنفس الوتيرة أو الحدّة، يتم التأكيد من قبل ممثلي مجتمع الأقلية القومية/الثقافية على الهوية الجمعية المميزة وما يقترن بها أو ينساب عنها من حقوق و أنماط تنظيم وعمل هي أبعد ما تكون عن تعزيز أو تحفيز النزعة الاندماجية، على الأقل من وجهة نظر ممثلي السلطة الحاكمة.



ومنعاً لسوء الفهم أو حماية من تبعاته، يجدر التذكير بأن فكرة الحكم الذاتي التي طرحت قبل جيل، ويعاد طرحها مجدداً الآن، تنطلق من المقدمات (Premises) الرئيسية التالية:



1. أن الهدف النهائي، المعلن والصريح، هو تحقيق المساواة التامة في حقوق المواطنة الديمقراطية : المساواة التامة بين المواطنين الأفراد والمساواة التامة بين الجماعتين القوميتين/ الثقافيتين. بكلمات أخرى، فكرة  الحكم الذاتي هي وليدة مشروع أو مبدأ المساواة التامة في الحقوق في إطار الدولة الديمقراطية الواحدة. وهي ليست بالتالي تعبيراً عن نزعة إنفصالية أو إنعزالية.  هذا يعني أن المساواة التامة في الحقوق تتطلب السير في إتجاهين مكملين، وإن كانا متوازيين، لتحقيق هدف واحد. فالحقوق الجماعية تكمل الحقوق الفردية من جهة، وتعوض عن أي نقص أو عطب فيها من جهة أخرى. وعلى ضوء ذلك، يخطيء من يعتقد بإمكانية تحقيق المساواة التامة في الحقوق بأحد الاتجاهين (أو الطريقين) دون الآخر. إن الطابع اليهودي للدولة هو المسؤول عن النقص في ديمقراطيتها وليبراليتها بالنسبة للفلسطينين داخل اسرائيل، وهو الذي يجعل مطلب الحكم الذاتي وارداً ومقنعاً ومنصفاً على حد سواء. وفي جميع الأحوال، فإن الحكم الذاتي لا ينطوي، كما أتذهن، على أي مساومة على أو تنازل عن أو إنتقاص من حقوق المواطنة الديمقراطية. الحكم الذاتي هو سياج حماية تحت سقف المواطنة والحكم المركزي، حماية من قرارات وسياسات وممارسات قد تجنح نحو طغيان الاغلبية القومية/ الإثنية الحاكمة. وفي أحسن الأحوال، فإن الحكم الذاتي الجدي يقربنا كثيراً من الدولة الديمقراطية ثنائية القومية.



2. أما مواصفات الحكم الذاتي المنشود فلا يجوز تحديدها مسبقاً أو قبلياً (Apriori)، وبمعزل عن توصيف العلاقة المتغيرة بين الجماعتين القوميتين/ الثقافيتين. فلسنا هنا بصدد ظواهر أو وقائع طبيعية لها صفات ثابتة، بقدر ما نحن بصدد جماعتين قوميتين متغيرتين مع الزمن ومع تغيّر الظروف والأحداث، المحلية وغير المحلية. وليس خافياً على أحد بأننا شاهدون في السنوات الاخيرة  على عملية "تسميك" الطابع اليهودي للدولة، وعلى "تشريس" الهجمة على الفلسطينين داخل اسرائيل، والتي تطال الأرض والمسكن والحركات والأحزاب السياسية والمؤسسات الثقافية. حتى آذان الجوامع لم يفلت من هذه الهجمة الفظة. وفي المقابل، فإن الهوية الجماعية المميزة للفلسطينين داخل اسرائيل قد غدت بدورها أكثر سمكاً وأكثر سمنة مما كانت عليه سابقاً.  في ظل وضع كهذا يصبح الإندماج أكثر صعوبة والطريق إليه وعرة وشائكة أكثر.  


كما يصبح مطلب الحكم الذاتي الثقافي (على أهميته) رداً قاصراً، وليس بحجم التحدي المتزايد في حدته.  الرد المطلوب والمستحق هو حكم ذاتي يحمي الهوية وينميها أولاً؛ يحمي الأرض والمسكن ثانياً؛ يعالج قضايا عالقة ومزمنة كالأوقاف الإسلامية، المهجرين منذ 1948، الخرائط الهيكلية وتخطيط المدن والقرى، وهكذا؛ ويعطي الردّ على تحدى الخدمة المدنية رابعاً. بإختصار، المطلوب والمنشود هو حكم ذاتي ذو أنياب، لا يستثني البعد الجغرافي، بعد الأرض وما عليها! جدير ذكره أن الكثافة السكانية الفلسطينية وتركيزها أساساً في الجليل والمثلث والنقب يدفعان بإتجاه حكم ذاتي أكثر طموحاً وأكثر دسماً من الحكم الذاتي الثقافي أو المؤسسي.



3. والحكم الذاتي المطلوب والمنشود لا يتناقض أو يتنافى بتاتاً مع أي تصور لحلّ منصف للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، سواء تمخض مثل هذا الحل عن دولتين مستقلتين متجاورتين بسلام، أو عن دولة ديمقراطية واحدة، ثنائية القومية أو مفدرلة أو غير ذلك.  فأي حلّ نهائي منصف سوف ينطوي، في إعتقادي، على ترتيبات حكم ذاتي من هذا النوع أو ذاك، سواء في إطار الدولة الواحدة أو في إطار كل من الدولتين المتجاورتين بسلام.



4. الحكم الذاتي، ثقافياً كان أم أسمن وأغنى من ذلك (كما أطرح)، لا يتم أو يتحقق بقرار من طرف واحد. فالحكم الذاتي غير الإنفصال وغير الإنعزال وغير الإنطواء، ويتم فقط، إذا تم، بالإتفاق مع الحكم المركزي، الذي يحول أو ينقل بعض صلاحياته في مجالات محددة ولأغراض محددة إلى سلطة حكم ذاتي يتم إنشاؤها بقانون، كما يتم إنتخابها بصورة ديمقراطية من قبل نساء ورجال الأقلية القومية/ الثقافية المعنية، وذلك بغض النظر عن أماكن سكناهم.  ويعرف العارفون أن مثل هذا الاتفاق لا يتأتى بدون النضال الجماعي الجدي، المنظم والمنسق والمستمر، نضال يؤكد في ذات الوقت على الإلتزام الصريح والصادق بقيم ومبادئ العملية الديمقراطية. وبدون هذا الإلتزام الصريح والصادق، فإن المطالبة بحكم ذاتي من هذا النوع أو ذاك هي وصفة أكيدة لصدام قد لا يسهل تفادية ولا تحمد عقباه. وفي هذا السياق أقول: أن رفع نبرة الخطاب القومي/ الثقافي، من قبل قادة الأقلية القومية/ الثقافية ونخبها الفاعلة، بدون إقتران ذلك بفكرة الحكم الذاتي الملتزمة بدورها بقيم ومبادئ الديمقراطية الليبرالية، لا يجلب نفعاً كثيراً (أقل ما يقال)، وقد يكون من مضاره مواراة القضية الأساس، القضية العصب – المساواة التامة في حقوق المواطنة الديمقراطية، الفردية والجماعية على السواء.



وأخيراً، رغم مرور أكثر من ربع قرن على طرح فكرة الحكم الذاتي، فالفكرة ما زالت عذراء غضة، وتحتاج بالتالي إلى الإخصاب والإنضاج عن طريق الحوار الحرّ، المتروي والعقلاني، حوار تشارك فيه مختلف القوى والحركات الفاعلة والمؤثرة، السياسية منها وغير السياسة.  وكما نعرف جميعاً، فإن حزب "التجمع الوطني الديمقراطي" قد تجرأ وطرح في برنامجه السياسي مطلب الحكم الذاتي الثقافي مقترناً بمطلب تحويل إسرائيل إلى دولة لجميع مواطنيها (بما يعنيه ذلك من إلغاء أو تجاوز أو تحييد طابعها اليهودي).  حسب هذا المطلب المزدوج، كما أفهم، فإن الحكم الذاتي يظل وارداً ومستحقاً حتى لو تحولت إسرائيل إلى دولة لجميع مواطنيها. ولكن: بما أن قادة الأغلبية اليهودية في إسرائيل مصرون على تسميك طابعها اليهودي بدلاً من وعلى حساب ديمقراطيتها، فإن مطلب الحكم الذاتي يجب أن يتعدى البعد الثقافي ليطال ويحتضن مجالات أخرى، وعلى رأسها الأرض وما عليها.



وختاماً، غني عن القول بأن تحقيق الحكم الذاتي ذي البعد الجغرافي (أو حتى الثقافي) يتطلب أدوات وأنماط نضال غير المعمول بها حالياً، يتطلب أدوات وأنماط نضال قد لا تستثني العصيان المدني أو التلويح به. وغني عن القول أيضاً بأن الإجماع الوطني شرط لازم لأي تقدم جدي في هذا الإتجاه الجديد والجريء.


     د. سعيد زيداني


أستاذ الفلسفة/ جامعة القدس


     آذار، 2017 


>>> للمزيد من مقالات ومقابلات اضغط هنا

اضافة تعليق
مقالات متعلقة