اخر الاخبار
اسعار العملات
جنيه مصري - 0.2053
ليرة لبناني 10 - 0.0213
دينار اردني - 4.5437
فرنك سويسري - 3.5196
كرون سويدي - 0.3725
راوند افريقي - 0.22
كرون نرويجي - 0.3705
كرون دينيماركي - 0.5109
دولار كندي - 2.5547
دولار استرالي - 2.3494
اليورو - 3.7991
ين ياباني 100 - 2.9325
جنيه استرليني - 4.4302
دولار امريكي - 3.222
استفتاء

في أعماق نفق الإنفجار الكوني العظيم

نظمت أكاديمية العلوم الإسرائيلية في الفترة من 28 نيسان الى الأول من ايار,جولة في المركز الأوروبي لأبحاث الفيزياء الذرية "سيرن -   CERN " الواقع بالقرب من مدينة جنيف السويسرية. وكان لي شرف تمثيل "الصنارة " في هذه الجولة وان أكون العربي الوحيد ضمن تشكيلة الوفد الصحفي . وشملت الجولة زيارة مواقع أجهزة الأبحاث التابعة للمركز والواقعة على اعماق تصل الى اكثر من 250 مترًا تحت الارض و تمتد على حلقة طولها 27 كلو مترًا موزعة بين فرنسا وسويسرا . والتقيت مدير عام المركز البروفيسور ديتير هيفير وعددًا من العلماء الإسرائيليين المشاركين في الابحاث  ونُظمت للوفد سلسلة محاضرات ..


في هذه المتابعة نعرض معلومات عن المركز تاريخًا وانجازات واللقاء مع البروفيسور هيفير على ان نتابع اللقاءات والانطباعات في لقاء تالٍ.


ماهي سيرن ؟ 

الاسم "سيرن- CERN" هو اختصار لـلإسم الفرنسي ل"المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية" : .  CERN -Organisation européenne pour la recherche nucléaire  و تعتبر أضخم مختبر في العالم في فيزياء الجسيمات .كما يستخدم المصطلح "سيرن" للإشارة إلى المختبر نفسه  وللتعبير عن المنظمة نفسها.
تأسست "سيرن" عام 1952 وكان اسمها آنذاك ("القنصلية الأوروبية للأبحاث النووية"  CERN-Conseil Européen pour la Recherche Nucléaire).


 ثم في 29 سبتمبر 1954 تغير اسمها إلى "المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية"، ويبلغ عدد الدول الأعضاء فيها 21 دولة . وتقوم بتشغيل عدة مختبرات عالمية كبيرة اشهرها مصادم الهادرونات الكبير LHC و أكبر معجلات الجسيمات في العالم "اطلسATLAS  " . 


يرى القائمون عليها ان  وظيفة "سيرن" الرئيسية هي توفير مسرعات الجسيمات وغيرها من البنى التحتية اللازمة لبحوث فيزياء الطاقة العالية. وتتركَّز أنشطة "سيرن" في تجارب تستعمل معجّلات الجسيمات، وهي أجهزة ضخمة  تنتج حزمًا من الجسيمات تحت الذرية، ذات طاقة عالية للغاية.


تضم هيئة العاملين في "سيرن" ثمانية آلاف من العلماء والموظفين، ويعمل آلاف من العلماء الزائرين في مشروعات المركز، وساعدت "سيرن" على تقدم النشاط العلمي في أوروبا والشرق الاوسط ايضا وذلك بتقديم تسهيلات لتجارب على نطاق واسع في الفيزياء تحت النووية. 



البداية , ظل هيروشيما وناجازاكي ومواجهة هجرة الأدمغة ..


خلال اللقاء مع مديرعام "سيرن" البروفيسور ديتير رولف هيفير طلبت منه ان يعود الى البدايات .. قال:" من المعروف للجميع ان قنبلتي هيروشيما وناجازاكي انهتا الحرب العالمية الثانية ولم يكن العالم ببعيد حينها عن المشهد المأسوي الذي خلفته هاتان القنبلتان الذريتان بكل معطياته وتناقضاته، و صور الدمار لا تزال الى اليوم ماثلة في الأذهان...في ضوء هذه الحالة وعلى وقعها , قررت أوربا أن تلقي بظلال الحرب وراء ظهرها وتركز على المستقبل فأنشأت هذا المركز ليقود الأبحاث الحساسة حول الذرة ونواتها، وما تحتويه من طاقة وتوظيفها سلميًا ، إضافة إلى التعرف على تركيب الذرة نفسها ومكوناتها وقواها كافة."


سألته , أي ان اوروبا قررت عمليًا الرد سلميًا وعلميًا ؟ فرد بالايجاب ..واضاف ان ظهور "سيرن" وضمها نخبة  من علماء أوروبا , جعلها تحوز على دعم من سياسيي أوروبا لأنهم خشوا حينها من هجرة تلك الأدمغة إلى أمريكا، فتآزرت ألمانيا (الغربية ما بعد الحرب العالمية الثانية) وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا مع سويسرا وفي ما بعد 7  دول أوربية أخرى هي بلجيكا والدنمارك واليونان والسويد والنرويج وهولندا ويوغوسلافيا لتأسيس تلك المنظمة التي تشدد على التطبيقات السلمية للطاقة الذرية وضرورة استفادة العالم منها."


وعن التطوير والإضافات على الموقع التي شهدها يقول البروفيسور هيفير :" خلال الفترة الزمنية الطويلة نسبيًا  ,60 عامًا , شهد الموقع إضافات مثلت علامات فارقة في مجال البحث العلمي .. ففي عام 1957 فرغ المركز من إنشاء أول مُعَجّل للجزيئات، وبعد عامين ظهر أول مُعَجّل أوروبي للبروتونات. وبعد 12 عاما أخرى اي في  1969   شيّد المركز أول حلقة لتخزين البروتونات. وفي عام 1976 صُنع مُعَجّل فائق السرعة، الذي تطور خلال 5 أعوام ليصبح مُعَجّلاً سريعا للبروتونات والأجسام المضادة لها.


طبعًا لا بد للاشارة هنا الى ان ما ذكره البروفيسور هيفير لا يشكل كل ما تم من اضافات وتعزيزات يصعب على المرء احصاؤها. فالحديث ليس عن امر عادي ..


" هذه التعديلات والاضافات لا  تمثل كل الإضافات والتجديدات التي حدثت للمعمل، فنحن نتكلم عن 27كم تحت الأرض فيها عصارة العلم البشري، وخلاصة ما وصلت إليه التقنيات الحديثة، لكن الحديث عنها كلها لا يتسع له المجال في مقابلة او لقاء واحد وخاطف ." 


واشار البروفيسور ديتير هيفير الى الجانب الإسرائيلي في المركز والذي وصفه ب"الضخم والمؤثر ليس قياسًا لحجم اسرائيل على الخارطة الجغرافية ,بل استنادًا الى ما يقدمه طاقم العلماء والخبراء الاسرائيليين في مجال البحث العلمي الفيزيائي وتعاونهم العابر ومتخطي الحدود السياسية مع علماء وخبراء من العالم العربي والدول الإسلامية وأخص بالذكر التعاون مع علماء فلسطينيين وباكستانيين وعلماء عرب آخرين ." وقال ان اسرائيل اليوم هي الدولة ال21 في مركز "سيرن" وهي الدولة الوحيدة العضو في المركز من خارج الاتحاد الاوروبي .. وستشارك الاتحاد الاوروبي في مشروع هورايزون 2020 وهو مشروع بحثي عملاق تقدر ميزانيته بـ 80 مليار يورو(107 مليار دولار).


ورد البروفيسور على سؤالنا : لماذا لا ينعكس هذا التعاون وهل بالامكان نسخه وتطبيقه أواستنساخه في المجال السياسي ؟ بالقول :" السياسة ليست مجالي , وحبذا لو تمكنّا من القيام بالعملية الكومبيوترية للنسخ والتطبيق من العلوم الى السياسة .. لكننا لا نفقد الأمل وربما يتمكن السياسيون من نقل تجربتنا الى مجالهم .. "


ونقل البروفيسور لنا الحالة الاردنية للتعاون الاقليمي في المجال العلمي حيث يساهم مركز "سيرن" في إقامة "مركز دولي للإشعاع الجزيئي في الشرق الأوسط" في الأردن.وتشارك أغلب دول المنطقة في إنجاز المشروع الذي قد يتحول إلى لبنة تعاون شرق أوسطي في ميادين حساسة تشمل الأبحاث العلمية والنووية."


وقال :" كانت فكرة إقامة "المركز الدولي للإشعاع الجزيئي في الشرق الأوسط" الذي يختصر اسمه باللاتينية الى "SESAME"، وهو عبارة عن مختبر على نطاق واسع لإجراء التجارب على جزيئات المادة أو الذرة.


أهم الإنجازات العلمية..


تحققت إنجازات هامة عديدة في فيزياء الجسيمات خلال التجارب في "سيرن" منها  تشمل :


1973 - اكتشاف التيارات المحايدة في غرفة فقاعة جراجميلر.


1983 - اكتشاف بوزونات W و Z .


1995 - إنشاء أول ذرات هيدروجين مضادة . 


2010 - عزل 38 ذرة من الهيدروجين المضاد.


2011 - الحفاظ على الهيدروجين المضاد لأكثر من 15 دقيقة.


2013-اكتشاف "جسيم هيجز" .


نتيجة هذه الانجازات منحت جائزة نوبل في الفيزياء عام 1984 لكل من كارلو روبيا وسيمون فان دير مير في التطورات التي أدت إلى اكتشاف بوزونات W و Z..


ومنحت جائزة نوبل في الفيزياء عام 1992 للباحث جورج تشارباك لاختراعه وتطويره كاشفات الجزيئات في غرفة النسبية الخاصة متعددة الأسلاك.


وفي سنة 2013 منحت جائزة نوبل للفيزياء للعالمين البريطاني، بيتر هيغز، والبلجيكي، فرانسوا إنغلرت، تقديرا لجهودهما في تأكيدنظرية " بوزون هيغز " أو جسيم هيغز.


وفي فترة الستينيات من القرن الماضي، كان هذان العالمان من بين مجموعة من علماء الفيزياء، الذين طرحوا آلية لتفسير السبب في وجود كتلة لجسيمات البناء الأولية للكون. وتتنبأ هذه الآلية بوجود جسيم يعرف باسم "جسيم هيغز" الذي اكتشف أخيرا عام 2012 في مصادم الهدرونات الكبير بمختبر سيرن ..


تحدي قوة جاذبية الارض 


منذ اكتشاف نيوتن لقوانين الجاذبية  سنة 1667م  والعلماء حائرون في لغزالجاذبية هذا . فالأرض ذات قوة الجاذبية العملاقة التي تجذب القمر مثلا في مدارها , يمكن تحدي هذه القوة العملاقة ببساطة عن طريق رفع قطعة من الحديد بمغناطيس صغيرجدًا متحديا قوة جذب الأرض بأكملها لتلك القطعة ..


هذا ما حدا بالعلمـاء إلى افتراض خطير جعلهم ينشئون اكبر مشروع علمي على وجه الأرض ..هذا الإفتراض يقول إن الجزئيات المسؤولة عن نقل الجاذبية "Graviton "غير مستقرة في عالمنا المادي وتهرب إلى عوالم أُخرى وهذا ما يُضعف قوة الجاذبية بالمقارنة مع القوى الأُخرى ( جدير بالذكر أن القوة الكهرومغناطيسية مثلا أقوى من قوة الجاذبية بمليارات المرات ) وبالتالى فهذه ال" "Graviton تهرب إلى عوالم أُخرى إما أن تكون هذه العوالم أكوان موازية لنا أو أن أجساما أثيرية تُحيط بنا ولا تُدرَك بالمادة المجردة , تعيش بيننا وتتكاثر بكثرة رهيبة جدا بحيث تمتص كل هذه ال Graviton ..


لإثبـات هذه الفرضيـات انشأ العلمـاء مسرع الجزيئـات في سيرن CERN وهو عبارة عن نفق عملاق يقع في سويسرا ويمتد عل عمق مئة متر في اقل نقطة ومئتين وخمسين في اقصاها تحت الأرض على شكل أنبوب دائري طوله 27 كيلومترًا  ويتم فيه تسريع ذرات الهيدروجين بعد فصلها من الكتروناتها إلى سرعات تقارب سرعة الضوء ثم تسييرها بإتجاهات معاكسة لتصطدم ويتم بعدها فورا رصد جزئيات الجاذبية (Graviton) وهي تختفي بعد الاصطدام مباشرة. 


عندما بدأ المركز أعماله قبل ستين عامًا ، كان العلم متوقفا عند الذرة والنواة وما بها من بروتونات ونيوترونات، على الرغم من وجود نظريات مختلفة حول وجود مكونات أصغر من النواة، إلا أنها كانت تفتقر إلى التقنية التي تثبتها. واليوم وبفضل الأبحاث التي أجراها "سيرن" ، تكشفت أمام العلماء حقائق كثيرة، يتم تطبيقها واستخدامها في مجالات متعددة ومختلفة في العالم بأسره.


في مجال فيزياء الجزيئات في "سيرن"  يتم التعامل مع مكونات دقيقة للغاية، لا يمكن رؤيتها حتى بأكثر المكبرات دقة، في مجال بعيد تماما من الصعب على العقل البشري أن يتخيله، ومكونات أخرى متناهية الدقة لها قوانينها الخاصة في التفاعل والحركة، منها مثلا ما لا يزيد عمره عن جزء من المليون من الثانية، ينتهي دوره بانشطاره إلى جزئين. وتلك الجزيئات متناهية الصغر، تدور في حركة مستمرة، وفي تجمعاتها تشكل ما يشبه الأمواج، التي تترك آثارا عند تحركها دفعة واحدة، تماما مثل حركة الطائرة في الجو، بعيدة عن العين، ولا يُرى منها إلا آثار تحليقها.


في "سيرن" ، يعمل مغناطيس عملاق انتجته الصناعات الروسية على تحريك البروتونات والنيوترونات والإليكترونات في مدار مفرغ من الهواء وبسرعة فائقة للغاية تكاد تقترب من سرعة الضوء، والتعرف على ما تتركه خلفها من آثار.


الانترنيت من " الويب " إلى " الغريد "


قام خبراء "سيرن"، ،بتطوير ما يوصف بمُجمّع عالمي للناظمات والأنظمة المعلوماتية الإلكترونية حول العالم. هذا التعديل احدث ثورة في عالم الاتصالات و ضاعف وسيضاعف لاحقا من مقدرة الشبكة العنكبوتية حول العالم عشرات المرات أكثر مما هي عليه الآن، واحدثت تحولا جذريا في عملية نقل و تبادل المعلومات حول العالم.   ولكي يتمكن حوالي 7000 عالم فيزياء من كل القارات من المشاركة في تحليل بيانات التجارب ، ربط الـ "سيرن" الذي سبق أن اخترع الـ"ويب" أو "الشبكة" العنكبوتية "الانتيرنيت" ,عشرات آلاف أجهزة الكمبيوتر عبر شبكة لا مركزية معروفة بـاسم "غريد"" computinggrid".



الانفجار العظيم او محاكاة نشوء الكون 


بعد أكثر من 20 عاما من البحث والتطوير وسبع سنوات من العمل، قام فيزيائيو "سيرن" لأول مرة يوم 10/9/2008 بحقن حزمة من البروتونات داخل إحدى اتجاهات المدار التحت أرضي لمُصادم الهادرونات الكبير (THE LARGE HADRON COLLIDER) البالغ طوله 27 كيلومترا. وقد أتمت الحزمة دورتها داخل المدار في ظرف يقل عن ساعة (مقابل 12 ساعة لدى انطلاقة المعجل التصادمي السابق للسيرن). وتُعتبر هذه العملية، محطة حاسمة من عملية إطلاق هذه الآلة الجبارة التي كلـّف تصنيعها 6 مليار فرنك سويسري.


ويُعتبر مُصادم الهادرونات الكبير "LHC" أول إنجاز يتيح البحث عن أثر جسيمة "بوزون هيغز". ولنصب فخ للجسيمة، سهر الفيزيائيون على ضمان اصطدام مليارات البروتونات .أما الظروف الفيزيائية التي ضمنوا ان تسود خلال هذه الاصطدامات فهي شبيهة جدا بالظروف التي رافقت الانفجار العظيم الـ "بيغ بانغ".


أرقام تفوق الخيال...


*تدور البروتونات داخل مصادم الهادرونات الكبير "LHC"، (The Large Hadron Collider)، بأكثر من 99% من سرعة الضوء،( سرعة الضوء، 300000 كلم في الثانية الواحدة)  وهي سرعة تسمح للجزيئات بالقيام بـ 11245 دورة في الثانية الواحدة حول محيط المسار الدائري المخصص لمرور الجزيئات من خلاله وطوله 27 كلم.


* تُستخرج كل هذه البروتونات من الهيدروجين العادي. ورغم احتواء كل حزمة على كميات هائلة منها، يجب أن تدور الآلة لمدة مليون سنة لـ "حرق" غرام واحد من الهيدروجين.


* يولد اصطدام حزمتين من البروتون مستويات حرارة قد تصل إلى ألف مليار درجة. وفي ظرف جزء من الثانية، تصبح نقطة متناهية الصغر النقطة الأكثر حرارة في المجرّة.


* في المقابل، يكون قلب المعجل التصادمي العملاق (LHC) أضخم آلة تجميد في العالم. 700000 لتر من الهليوم السائل تُبقي المغنطيسات في "271-" درجة مئوية، وهي درجة حرارة أدنى من درجة حرارة الفضاء بين النجوم.


* تنتج كاشفات "سيرن" 70000 جيغابايت من البيانات في الثانية الواحدة. ومن هذه الكتلة، لا يُحتفظ للتحليل "سوى" بما يعادل 200000 قرص فيديو مدمج DVD في السنة.



*يزن "أطلس"، أكبر المُستشعرات التي رُكبت على مدار مصادم الهادرونات الكبير LHC، 7000 طن، و طوله 46 مترا ويعادل كل من عرضه وعلوه 25 مترا، وهو بذلك أكبر كاشف جزئيات في العالم، و يحتوي على 100 مليون جهاز استشعار تقوم بقياس المعطيات القابلة للمقارنة المتعلقة بالجزيئات الناشئة عن عمليات الاصطدام، وكذلك طبيعتها والطاقة المتولدة عنها، كما تتيح تلك الأجهزة تحديد مسارات الجزيئات بدقة تعادل سُمك شعرة الرأس.



بوزون هيغز او الجسيم الإلهي 


بالمُعجل التصادمي العملاق، وعى مسار ال27 كيلومترا وعمق 175  مترا تحت الارض تحقق أمل الباحثين في التوصل إلى الكشف عن "بوزون هيغز"، (نسبة إلى العالم البريطاني بيتر هيغز)، إحدى الحلقات التي كانت مفقودة في نظريتهم.


هل يفسر هذا الاكتشاف علة وجود المادة ووجودنا في الكون، الكواكب، والنجوم، ، وما يمكن أن نراه ونلمسه كونه يتجسد كمادة ذات كتلة.


فما هو بوزون هيغزهذا ؟ 


البروفيسور جلعاد بيرز من معهد وايزمان وهو احد ابرز المتخصصين في الفيزياء النظرية اجاب على السؤال اعلاه بالقول :"   إن بوزون هيجز هو القطعة الأخيرة في النموذج المعيار، والنموذج المعيار يحدد تجسيد كل مادة يمكن لنا أن نراها في الكون، انت ، أنا، الكواكب، والنجوم والمجرات، وكل هذه الكتل لا يمكن أن تتشكل بدون بوزون هيغز.


وتستند نظرية تشكل المادة على فكرة أن الجزئيات، الفوتون والألكترون، والبروتون، ليست كتلة وتتحرك بسرعة الضوء. واصطدامها مع جزيئ، البوزون يحولها الى مادة ذات كتلة. ما يعني أن الفراغ ليس فارغاً بل مليئ بهذه الجزيئات التي تشكل حقلاً اطلق عليه اسم "حقل هيغز" ، حقل لاصق يخفف حركة الجزئيات تبطئ حركة الجزئيات وتجسدها ككتلة.


ولإثبات وجود بوزون هيغز، ضاعف علماء الفيزياء التجارب في مصادم الهادرونات منذ العام ألفين وثمانية. ويحاكي الإنفجار العظيم البيغ بانغ، حيث يعمدون الى مصادمة المليارات من الجزئيات لتتبع أثر البوزون في الحطام. 


يبقى أن هذا الاكتشاف، والذي هو بحد ذاته مرحلة أساسية نحو معرفة تشكل الكون, يفسر الجزء المرئي والظاهر والذي يقدره العلماء بأربعة بالمئة من الكون فقط ، في حين أن المادة السوداء، أو الطاقة السوداء التي تدفع المجرات للانفصال عن بعضها البعض بسرعة تعصى على التفسير يبقى لغزاً.وكتما اكتشفنا شيئيًا نرى ان امامنا اشياء واشياء لا تزال عصية ..



في نفق الانفجار العظيم على عمق 175 م 


لاعادة سيناريو الانفجار العظيم نزلنا الى هناك . الى النفق العظيم على عمق 175 مترا .. رافقنا الدكتور دانيئيل لالوش من قسم فيزياء الجسيمات في معهد وايزمان للابحاث في رحوفوت والدكتور يان بن حامو من مدرسة الفيزياء والعلوم الفضائية في جامعة تل ابيب .  في شرحهما تطرقا الى أنه كي يتم تصوير عملية تصادم البروتونات ورصد نتائجها تم بناء مع المصادم الكبير عدد من الكواشف ومنها كاشفCMS وهو عبارة عن جهاز ضخم يبلغ وزنه14 ألف طن وارتفاعه21 مترا. هذا الجهاز هو أحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا التصوير والاتصالات في العالم وبلغت تكلفته500 مليون يورو, شبكة بالغة التعقيد من100 مليون كاميرا وجهاز رصد كل واحدة من هذه الأجهزة تلتقط40 مليون صورة في الثانية وفي وسط هذا الكم الهائل من الكابلات والكاميرات يمر طرفا المصادم الكبير ليحدثا الاصطدام بين البروتونات لترصد ملايين الكاميرات نتائج الارتطام. ونظرا لأن عملية تصادم البروتونات تجري آلاف المرات في اليوم الواحد وتحدث في درجات حرارة عالية جدا فإنه يتم إحاطة الكاشف باسطوانة كبيرة للتبريد حتى سالب270 درجة مئوية.


هذا الكم الهائل من الصور وقبل ان ينتقل لآلاف الفرق البحثية في مناطق مختلفة من العالم لرصد ودراسة البيانات ومحاولة البحث عن الجسيمات الأولية المكونة للكون .يكون قد مر بعملية "غربلة" .احد المساهمين فيها  هو الدكتور لورين ليفينسون الذي اسار الى ان إثبات وجود جسيم هيجز لم يكن بالأمر الهين, فكل عدة آلاف من تصادمات البروتونات تظهر بعض العلامات لوجود هيجز. ويوم14 يونيو من العام الماضي, طلب منّا البروفيسور دي روك من الفرق البحثية تسليمه كافة البيانات. وبمطابقة النتائج أدرك أنهم أخيرا وبعد اكثر من 5  عقود من البحث العلمي اكتشفوا جسيم هيجز, ليتم الإعلان الرسمي عن الكشف يوم4 يوليو2012 ..


أهمية الاكتشاف


يقول البروفيسور عيلام جروس من قسم فيزياء الجسيمات في معهد وايزمان  انه طبقا لنظرية نشأة الكون والمعروفة باسم الانفجار العظيم  فإنه في أجزاء من الثواني الأولى التي تلت الانفجار ظهرت جسيمات محددة كونت بدورها الذرة والمواد ومن بعد ذلك بمليارات السنين النجوم والمجرات والمجموعة الشمسية والكواكب. أي أن هذه الجسيمات الأساسية هي أصل كل شيء, وما حاول العلماء  إجراؤه هو تجارب تحاكي نشأة الكون لتصوير هذه الجسيمات المعدودة ومن بينها جسيم هيجز. 


ويتابع البروفيسور عيلام جروس ان هذا الكشف العلمي يمثل إضافة كبيرة للفيزياء وعلم الكون. فيمكننا اليوم تقدير بشكل علمي مراحل الانفجار العظيم, كما ساهم الكشف في طرح أسئلة أخرى مثل ما هي الجسيمات الأخرى التي لم نرصدها بعد؟ وكم عددها؟ وهل هناك أكثر من جسيم هيجز؟ كل هذه الأسئلة تتطلب تطوير المصادم ورفع كفاءته لتحقيق تصادمات تقارب لما حدث أثناء الانفجار العظيم, وهو ما سيتم تنفيذه خلال السنوات العشرين القادمة.




علاج الأورام


تقول الدكتورة مانويلا تشيرلي وهي ايطالية الاصل ومسؤولة عن متابعة التطورات العلمية والطبية الناتجة عن انجازات سيرن  :" ما شاهدتموه هو أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا في العالم, وفي مركز سيرن نحن نحرص دائما علي تحفيز العلماء لابتكار حلول تكنولوجية لمواجهة التحديات والمعوقات العلمية التي نواجهها, ثم نكتشف بعد ذلك أن التقنيات التي تم تطويرها بغرض البحوث الأساسية يمكن الاستفادة منها في مجالات أخرى. و من أهم الابتكارات التي خرجت من سيرن شبكة الإنترنت والتي ظهرت بهدف التواصل بين علماء الفيزياء, وحاليا نقود ثورة جديدة في مجال الاتصالات بابتكار شبكة الحوسبة computinggrid. وفي المجال الطبي وجدنا إمكانية الاستفادة من تعجيل المواد كعلاج إشعاعي للأورام السرطانية فعال دون التأثير على الخلايا المحيطة به. ويجري حاليا نقل التقنية لعدة مراكز طبية في أوروبا. كما ساهمت أبحاثنا في علوم المواد في رفع كفاءة الخلايا الشمسية, والتي استفاد منها مطار جنيف بتصميم محطة خلايا شمسية لتغذية المطار هذا بخلاف العديد من التطبيقات الصناعية."



>>> للمزيد من محلي اضغط هنا

اضافة تعليق
مقالات متعلقة